رئيس جامعة القاهرة يقدم ورقة عمل بعنوان "دور المؤسسات التعليمية فى تفكيك الفكر المتطرف"

21/11/2015 04:55:57 ص

قدم الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة ورقة عمل، للمؤتمر الخامس والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والذي عقد بمدينة الأقصر برعاية رىْيس الجمهورية وبمشاركة وزراء أوقاف وعلماء دين ومفكرين من 40 دولة عربية وإسلامية وأجنبية حول تجديد الخطاب الدينى وتفكيك الفكر المتطرف.

 

وتضمنت ورقة العمل تحت عنوان "دور المؤسسات التعليمية فى تفكيك الفكر المتطرف":  "خطورة الفكر المتطرف فى العصر الحديث أنه لم يعد فكراً يتبناه أفراد أو مجموعات محدودة، وإنما صار صناعة تقف وراءها جماعات مصالح وسياسات دول توظفه لمصالحها ومواجهة هذا الفكر لا يمكن أن تنجح بالمواجهة الأمنية فقط، وإنما يكون بتفكيك منصات إطلاق صواريخ التطرف على عقل المجتمع وشبابه".

 

وأضافت: "يعد التطرف من أخطر التحديات التى تواجه المجتمعات فى كل العصور، لما يمثله من تهديد وعدوان على كل جوانب الحياة، الأمر الذى يستدعى حشد كل الجهود لمواجهة هذا الخطر ووئده فى مهده، قبل أن يستفحل ويتمدد فى شرايين الفرد والمجتمع"، وتابعت: ومن هنا فقد صار لزاماً على كل المؤسسات التى تتشكل منها الدولة الحديثة أن تقوم بواجبها ومسئولياتها.

 

واستكملت:ولا شك أن المؤسسات التعليمية تعد من أهم المؤسسات التى يناط بها التصدى لهذا الخطر؛ لأن التطرف قبل أن يكون سلوكاً هو فكر وثقافة وتنشئة وبيئة تساعد على تنمية هذا الشكل العدوانى من السلوك، ومن ثم يتحدد دور المؤسسة التعليمية فى الجوانب الآتية :

 

أولاً : التمييز بين التطرف والإرهاب :

 

يكمن الفارق الأساسى بين التطرف والإرهاب فى أن التطرف فكر إنما الإرهاب فعل . على أن هذا التمييز لا يعنى انقطاع الصلة بينهما ، فكلاهما يتصل بالآخر اتصال السبب بالنتيجة . فالتطرف هو المقدمة الأساسية والسبب الأهم فى صناعة الإرهاب .

ينبنى على هذا الفهم إطار مهم ، هذا الإطار يتمثل فى أن التطرف هو الفكر الذي يؤدي بالضرورة إلى الإرهاب ، ذلك أن الفكرة التي تطرفت بصاحبها فى الفهم والاعتقاد حتى يظن أنه يملك الحقيقة الكاملة والصواب المطلق تؤدى بالضرورة إلى أن يفكر في آليات فرضها ولا يكون ذلك إلا باستخدام العنف والقوة والقهر . وهنا ينشأ الإرهاب.

 

إن الفكر المتطرف وفقاً لهذا الفهم يحمل بين طياته إمكانية تحوله إلى عمل إرهابي مدمر للحياة والأوطان، وحينما يتحول هذا الفكر المتطرف إلى عمل إرهابى ، فإن الفكر المتطرف يظل فكراً حاضناً له ومبرراً لإجرامه.

 

ولا شك أن أخطر أنواع الفكر المتطرف هو الفكر الدينى المتطرف، ذلك أنه يوظف النص المقدس توظيفاً مخالفاً لمبناه ومعناه وإطاره الشرعي ويستغل فى الوقت نفسه مشاعر البسطاء وحاجة الفقراء لإقناعهم بأن هذا الفكر المتطرف هو الدين الصحيح. ومن ثمّ يكون الإرهاب المتمثل في القتل والتخريب جزءاً من الدين.

 

إن خطورة الفكر المتطرف فى العصر الحديث أنه لم يعد فكراً يتبناه أفراد أو مجموعات محدودة وإنما صار صناعة تقف وراءها جماعات مصالح وسياسات دول توظفه لمصالحها ولو على حساب الدول الأخرى واستقرارها وحياة شعوبها.

 

ثانياً - مواجهة الفكر المتطرف بالفكر :

 

مواجهة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة لهدم الأسس التى يستند إليها دعاة هذا الفكر فى عرض ونشر أفكارهم وتصوراتهم ، تطبيقاً للمنهج القرآنى فى أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر ، ولذلك وجَّه القرآن الكريم بضرورة مطالبة أصحاب الفكر غير المستقيم بإقامة الدليل على ما يقولونه وذلك فى قوله تعالى : }قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { ]البقرة : 111[ .

 

وتطبيقاً كذلك للمنهج النبوي الذي واجه فيها النبي صلى الله عليه وسلم الفكر بالفكر وذلك في قصة الشباب الذين ذهبوا يسألون عن عبادته ، ولما علموا بها قال أحدهم : أنا أقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الثالث : وأنا لا آكل اللحم ولا أتزوج النساء ، ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك صعد إلى المنبر وقال : ما بال أقوام يقولون كذا وذكر كلامهم ثم قال : من رغب عن سنتى فليس مني. وبهذه الطريقة تم القضاء على أول محاولة للتطرف والغلو في تاريخ الإسلام.

 

تقديم الفكر المعتدل الذي يمثل جوهر الدين وحقيقته ، وذلك يتطلب إعادة النظر في المقررات الدراسية التي تقدم العلوم الدينية لتنقيتها مما يعد مصدراً لهذا الفكر المتطرف ، ويتطلب ثانياً تقديم الفكر الدينى الصحيح مدعوماً بالنصوص الدينية التي تدعو إلى الحوار والتسامح وثقافة التعايش مع الآخر واحترام اختياراته.

 

 

ملء مساحة الفراغ التي تشكل بيئة نموذجية يتمدد فيها الفكر المتطرف وتعلو راياته ، ذلك أن الفراغ (خصوصاً فراغ العقول) يعد من أكبر الأسباب والوسائل التي يتسرب من خلالها الفكر المنحرف. أما ملء هذا الفراغ فيكون بوسائل عديدة منها : القراءة ، والندوات الحرة ، والمسابقات الثقافية ، والرحلات العلمية والترفيهية.

 

لابد من توظيف سلاح الفن الهادف ، لأن الفن بأدواته القوية والمؤثرة يمثل أحد أعمدة بناء الشخصية السوية ، ويهذب الإنسان ويرتقي به إلى عالم النور والخير والجمال ، ومن ثم يبدو واضحاً سبب معاداة الفكر المتطرف لكل أشكال الفن الهادف .

 

نشر الثقافة العلمية إلى جانب الثقافة الأدبية ، لأن هذه الثقافة توسَّع مدارك الإنسان ، وتخلق لديه اهتمامات مفيدة، وتنشئ لديه الحس النقدي الذي يستطيع به التمييز بين الفكر المعتدل والمتطرف.

 

لابد من التصدي بشجاعة للمسائل التي يستند إليها الفكر المتطرف ودعاويه مثل : العلاقة بين الدين والدولة ، والجهاد ، والخلافة ، والمواطنة .

 

لابد من إعادة النظر فى أساليب المؤسسات الدينية الرسمية في التعامل مع ظواهر الإرهاب والعنف والتطرف ، لأن هذه الأساليب تعزز مكانة المتطرفين لدى جمهور كبير من الناس .

 

لابد من إعادة النظر في طريقة الطرح الإعلامى لقضية الدين بدءاً من خطبة الجمعة، وانتهاء بالبرامج التي تُقَّدم للناس عبر وسائل الإعلام المختلفة ، لأنها طريقة تقوم على المحفوظات والعبارات المرسلة ولا تقدم فكراً أو تحليلاً يصنع تديناً إيجابياً ، وإنما يصنع تديناً سلبياً يقف فى مربع العداوة للدين نفسه .

 

وأخيراً لابد من الرؤية الاستراتيجية للمشاركة في التصدي لهذا الخطر ؛ فالتطرف منظومة اجتماعية وتعليمية ومؤسسية تستمد أسبابها وروافدها من الكراهية والفقر والجهل والقبح ، ولا يمكن تفكيك هذه المسألة إلا بمنظومة شاملة وبديلة من الإصلاح متعدد الجوانب .

إصلاح الثقافة ، والتعليم ، وأسلوب الحياة ، والسلوك الاجتماعي ، والحياة التي تحقق للإنسان إنسانيته وتحافظ على كرامته.

 

ثالثاً – تفكيك البنية التحتية للتطرف «جامعة القاهرة نموذجاً» :

 

إطار الفكر المتطرف الذى يتطور إلى إرهاب يستهدف تفكيك المجتمع والاستيلاء عليه وعلى مقدراته يمر عبر طريق مواز يخلق مؤسسات حاضنة له تقوم بعمل معامل التفريخ لمجموعات إرهابية متطرفة تبدأ فى التغلغل في جنبات المجتمع تتبنى غاياتٍ وأهدافاً ووسائل تختلف عن غايات ووسائل المجتمع .

إن خطورة آليات صناعة الفكر المتطرف أنها ذات الآليات التي يعتمد عليها المجتمع فى بنائه وتطوره . بما يعنى أن هذا الفكر المدمر يستخدم ذات الآليات وينطلق من نفس المربعات التى يقوم عليها المجتمع.

وقد ترتب على ما سبق أن الدولة كتنظيم أصبحت تواجه فى داخل مؤسساتها عدواً يعمل على هدمها ويطلق على عقول شبابها صواريخ التطرف التى ما يلبث أن تتحول إلى إرهاب وعنف .

إن مواجهة هذا الفكر لا يمكن أن تنجح بالمواجهة الأمنية فقط وإنما يكون بتفكيك منصات إطلاق صواريخ التطرف على عقل المجتمع وشبابه.

ولا ينكر أحد جهود بعض الجهات فى الدولة فى هذه المواجهة ، ومن ذلك الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف.

فقد كان لوزارة الأوقاف قصب السبق في السعي لاسترداد كثير من مساجدها من براثن التطرف ، حيث كان كثير من مساجدها مختطفاً من قبل هذه الجماعات ، وكانت تمثل منصات لصناعة التطرف فى كل الاتجاهات.

وأيضاً من هذا القبيل تطوير وتغيير المناهج التى قطع فيها الأزهر شوطاً لا بأس به .

إن مواجهة الفكر المتطرف هو قضية شعب وليس فقط حكومة.

إن كيان الدولة ، إقليماً ، وسلطة ، وشعباً تتهدده المخاطر من توابع هذا الفكر المتطرف، ولذلك لا يجب الاستهانة به . ويجب أن يكون من مهام كل مسئول فى وزارته أو مؤسسته مواجهة هذا الفكر وتفكيكه.

 

لقد كان لجامعة القاهرة تجربة رائدة فى تفكيك الفكر المتطرف بمجموعة من الإجراءات التى نجحت فى منع انتشار هذا الفكر بين الطلاب.

1- غلق المصليات المتناثرة فى أرجاء الحرم الجامعى والمدينة الجامعية والتى كانت تتعدد فى المبنى الواحد بتعدد الجماعات المتطرفة.

فقد كانت الملاحظة الأولية أن أعمال العنف تنطلق من هذه المصليات حيث يتجمع الطلاب الذين ينتمون إلى هذا الفكر المتطرف وله دور تنظيمى بحسب انتمائهم إلى جماعات إرهابية متطرفة. ويقومون على تجميع الطلاب وتجنيدهم ولا بأس من تقديم بعض الخدمات إليهم حتى يتقربوا منهم وفى كثير من الأحيان يستغلون حاجة البعض منهم لجذبهم وتجنيدهم.

يرتبط بما سبق وجود عناصر من المنتمين لهذه الجماعات بين موظفى رعاية الشباب وشئون الطلاب بالكليات ويقومون بدورهم بتسخير الخدمات التى تقدمها الجامعة لهؤلاء.

ولا شك أن هذه المصليات كانت بعيدة عن إشراف الجامعة نظراً لتعددها المفرط ، وكان من المستحيل أن يتوفر لها إشراف جدى من الأوقاف أو الجامعة.

ولذلك كان قرار جامعة القاهرة إغلاق هذه المصليات والزوايا وإقامة مسجد جامع يجمع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس ، فمن أراد أن يصلى جماعة فعليه أن يمشى إلى مسجد الجامعة وهو ما حدث أيضاً فى المدينة الجامعية.

إن الحقائق التى نعيش بين جنباتها والتي تتمثل فى أن هذا الفكر المتطرف قد تولد عنه إرهاب يأكل دولاً ويبتلعها ، وذلك بمساندة دول أخرى تجهل طبيعته وشروره.

إن هذا الأمر لم يعد يحتاج أدلة أو شواهد لإثبات صحته . فنحن نعيش فيه الآن وتحيط بنا شروره من كل جانب.

وهذه المشاهد الداعشية التى يراها الناس وفى أحيان كثيرة لا يصدقون ما يشاهدون لم يكن أحد يتصور أن تحدث فى الواقع العملى . ولكنها للأسف أصبحت حقيقة وعجزت جيوش نظامية عتيدة فى مواجهتها سواء فى ليبيا أو سوريا أو فى اليمن أو العراق . وأصبحت هذه  المجموعات المتطرفة والإرهابية التى تجمعت حول هذا الفكر المتطرف معضلة حقيقية ينبغى التعامل معها بعلم وفِقه حتى يتيسر القضاء عليها بإذن الله.

وإذا كان الإرهاب وما يرتبط به من أعمال عنف وتدمير لا سبيل إلا مواجهته إلى بالقوة ، فإن الأمر يختلف عند مواجهة الفكر المتطرف.

 

2- الانفتاح على الفنون والثقافة كمكون أساسى تفتقده كثير من المؤسسات وخاصة الجامعات فى خطابها مع طلابها وشبابها حيث يمثل هذا الانفتاح إطاراً طارداً للتطرف والإرهاب ويوفر إشباعاً ثقافياً مميزاً لعقول الشباب.

ففى العام الجامعى 2013-2014 قدمت الجامعة موسماً ثقافياً كبيراً بالاشتراك مع أوركسترا سليم سحاب ومشروع كورال أطفال مصر.

كما قدمت ما يزيد عن الخمسين مسرحية على مسارحها الجامعية لمسرحيات هدافة من إنتاج مسرح الدولة.

وفى 2014-2015 تقدم الجامعة موسماً ثقافياً جديداً بالاشتراك مع دار الأوبرا المصرية تقدم من خلاله كل شهر حفلتان مميزتان على مسرح الجامعة.

 

3- إقامة مسارح مفتوحة فى المناسبات الدينية والوطنية فى أفنية الجامعة مثل الاحتفال بالمولد النبوى الشريف وبداية العام الهجرى وللفنون الشعبية كالسيرة الهلالية حتى تستقطب أكبر عدد من الطلاب.

 

4- إقامة مسابقة ثقافية مفتوحة بعنوان "إقرأ – فكر – إكسب" تحدد الجامعة ثلاثة كتب يقرأها الطلاب ويقدموا دراسة عنها ويتم تحكيمها ثم بعد ذلك يختار الفائزون وتوزع عليهم جوائز نقدية تصل إلى خمسين ألف جنيهاً فضلا عن جوائز عينية.

 

5- تشجيع الطلاب على المبادرات الذاتية فى حماية النشاط كنشاط النماذج والابتكارات العلمية والرحلات والمعسكرات دون فرض وجهة نظر الجامعة حول مسار الرحلة وأن يقتصر دور الجامعة على الإطار التنظيمى ما التزم الطلاب بالقانون واللوائح.


إنضم للقائمة البريدية
البريد الإلكترونى